ابن سعد

32

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَهُ . فَرَضِيَا بِذَلِكَ . فَعَدَا هَابِيلُ . وَكَانَ صَاحِبُ مَاشِيَةٍ . بِخَيْرِ غِذَاءِ غَنَمِهِ وَزُبْدٍ وَلَبَنٍ . وَكَانَ قَابِيلُ زَرَّاعًا فَأَخَذَ طُنًّا مِنْ شَرِّ زَرْعِهِ . ثُمَّ صَعَدَا الْجَبَلَ . يَعْنِي نَوْذَ . وَآدَمُ مَعَهُمَا . فَوَضَعَا الْقُرْبَانَ وَدَعَا آدَمُ رَبَّهُ . وَقَالَ قَابِيلُ فِي نَفْسِهِ : مَا أُبَالِي أَيُقْبَلُ مني أم لا . لا يَنْكِحُ هَابِيلُ أُخْتِي أَبَدًا . فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَهُوَ فِي غَنَمِهِ فَقَالَ : لأَقْتُلَنَّكَ ! قَالَ : لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قَالَ : لأَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنْكَ وَلَمْ يَتَقَبَّلْ مِنِّي وَرَدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي وَنَكَحْتَ أُخْتِي الْحَسَنَةَ وَنَكَحْتُ أُخْتَكَ الْقَبِيحَةَ . وَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ بَعْدَ الْيَوْمِ أَنَّكَ كُنْتَ خَيْرًا مِنِّي . فَقَالَ لَهُ هَابِيلُ : « لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ . إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ » المائدة : 28 - 29 . أَمَا قَوْلُهُ بِإِثْمِي . يَقُولُ : تَأْثَمُ بِقَتْلِي إِذَا قَتَلْتَنِي إِلَى إِثْمِكَ الَّذِي كَانَ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَنِي . فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ فَتَرَكَهُ لَمْ يُوَارِ جَسَدَهُ . « فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ » المائدة : 31 . وَكَانَ قَتْلُهُ عَشِيَّةً . وَغَدَا إِلَيْهِ غُدْوَةً لَيَنْظُرَ مَا فَعَلَ . فَإِذَا هُوَ بِغُرَابٍ حَيٍّ يَبْحَثُ على غراب ميت . فقال : « يا وَيْلَتى ! أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي » المائدة : 31 . كما يواري هذا سوءة أخيه ؟ فدعا بالويل . فأصبح من النادمين . ثُمَّ أَخَذَ قَابِيلُ بِيَدِ أَخِيهِ ثُمَّ هَبَطَ مِنَ الْجَبَلِ . يَعْنِي نَوْذَ . إِلَى الْحَضِيضِ . فَقَالَ آدَمُ لِقَابِيلَ : اذْهَبْ فَلا تَزَالُ مَرْعُوبًا أَبَدًا لا تَأْمَنُ مَنْ تَرَاهُ ! فَكَانَ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ إِلا رَمَاهُ . فَأَقْبَلَ ابْنٌ لِقَابِيلَ أَعْمَى وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ . فَقَالَ لِلأَعْمَى ابْنِهِ : هَذَا أَبُوكَ قَابِيلُ . فَرَمَى الأَعْمَى أَبَاهُ قَابِيلَ فَقَتَلَهُ . فَقَالَ ابْنُ الأَعْمَى : يَا أَبَتَاهُ قَتَلْتَ أَبَاكَ . فَرَفَعَ الأَعْمَى يَدَهُ فَلَطَمَ ابْنَهُ فَمَاتَ ابْنُهُ . فَقَالَ الأَعْمَى : وَيْلٌ لِي قَتَلْتُ أَبِي بِرَمْيَتِي . وَقَتَلْتُ ابْنِي بِلَطْمَتِي ! ثُمَّ حَمَلَتْ حَوَّاءُ فَوَلَدَتْ شِيثًا وَأُخْتَهُ عَزْوَرَا . فَسُمِّيَ هِبَةُ اللَّهِ . اشْتُقَّ لَهُ مِنِ اسْمِ هَابِيلَ . فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ حِينَ وَلَدَتْهُ : هَذَا هِبَةُ اللَّهِ لَكِ بَدَلَ هَابِيلَ . وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ شَثٌّ . وَبِالسُّرْيَانِيَّةِ شَاثُ . وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ شِيثٌ وَإِلَيْهِ أَوْصَى آدَمُ . صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . وَكَانَ آدَمُ يَوْمَ وُلِدَ شِيثٌ ابْنُ ثَلاثِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ . ثُمَّ تَغْشَاهَا آدَمُ فَحَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ . يَقُولُ : قَامَتْ وَقَعَدَتْ . ثُمَّ أَتَاهَا الشَّيْطَانُ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ فَقَالَ لَهَا : يَا حَوَّاءُ مَا هَذَا فِي بَطْنِكِ ؟ قَالَتْ : لا أَدْرِي ! قَالَ : فَلَعَلَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ ؟ ثُمَّ قَالَتْ : مَا أَدْرِي ! ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا حَتَّى إِذَا هِيَ أَثْقَلَتْ أَتَاهَا فَقَالَ : كَيْفَ تَجِدِينَكِ يَا حَوَّاءُ ؟ قَالَتْ : إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ كَالَّذِي خوفتني . ما